السيد حيدر الآملي
158
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
والصّفة تنقسم باعتبار العقل إلى حقيقيّة وإضافيّة وسلبيّة ، وذلك لأنّ نسبة العقل للصّفة إلى غيرها ، إمّا أن يعقل معها نسبته من المنسوب إليه ، أو لا يعقل ، فإن كان الأوّل فهو المضاف الحقيقي ، وحقيقته أنّه المعقول بالقياس إلى غير يكون بإزائه يعقل له إليه نسبة ، ولا يكون له وجود سوى معقوليّته بالقياس إليه ، لكونه تعالى خالقا ورازقا وربّا ، فإنّ حقيقة هذه الصّفات هي كونها معقولة بالقياس إلى مخلوقيّة ومرزوقيّة ومربوبيّة موازية . وإن كان الثّاني فالمنسوب إليه إمّا أن يكون موجودا للمضاف أوليس بموجود له ، والأوّل هو الصّفات الحقيقيّة ، لكونه تعالى حيّا ، فإنّه أمر يعقل بالقياس إلى صحّة العلم والقدرة له ، وليس بإزاء أمر يعقل منه نسبة إليه ، والثّاني هو الصّفات السّلبيّة ، لكونه تعالى ليس بجسم ولا بعرض وغيرهما ، فإنّها أمور تعقل له بالقياس إلى أمور غير موجودة له تعالى . ثمّ نقول : إنّه لا يلزم من اتّصاف ذاته سبحانه بهذه الأنواع الثّلاثة من الصّفات تركيب ولا كثرة في ذاته ، لأنّها اعتبارات عقليّة تحدثها عقولنا المقايسة إلى الغير ، ولم يلزم ذلك أن تكون موجودة في نفس الأمر وإن لم تعقل ، ولمّا كان دأب العقلاء أن يصفوا خالقهم سبحانه بما هو أشرف طرفي النّقيض لما تقرّر في عقولهم من أعظميّته ومناسبة أشرف الطرفين للأعظميّة كان ما وصف به تعالى من الصّفات الحقيقيّة والإضافيّة والسّلبيّة كلَّها كذلك . ( في تقدّم الصّفات السلبيّة الصفات على الثبوتيّة ) إذا عرفت ما قلناه فاعلم أنّه عليه السّلام شرع أوّلا في الاعتبارات السلبيّة وقدّمها على الثبوتيّة لدقيقة ، وهي أنّه قد ثبت في علم السّلوك إلى اللَّه أنّ التوحيد المحقّق والإخلاص المطلق لا يتقرّر إلَّا بنقض كلّ ما عداه عنه وتنزيهه عن كلّ لاحق له وطرحه عن عن درجة الاعتبار وهو المسمّى في عرف المجرّدين وأهل العرفان بمقام التخلية والنقض والتّفريق ، وما لا يتحقّق الشيء إلَّا به كان اعتباره مقدّما على اعتباره ،